عبد الرحمن بن ناصر السعدي

646

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

المكاره ، وتيسر عليه كل عسير ، واستقل من عمله كل كثير . * ( ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) * أي : قد ضعف إيمانهم ، وقل يقينهم ، فخفت لذلك أحلامهم ، وقل صبرهم . فإياك أن يستخفك هؤلاء ، فإنك إن تجعلهم منك على بال ، وتحذر منهم ، وإلا استخفوك ، وحملوك على عدم الثبات ، على الأوامر والنواهي . والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة . وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن ، رزين العقل ، يسهل عليه الصبر . وكل ضعيف اليقين ، ضعيف العقل خفيفه . فالأول ، بمنزلة اللب ، والآخر بمنزلة القشور . فالله المستعان . سورة لقمان * ( ال م * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أول ئك على هدى من ربهم وأول ئك هم المفلحون ) * يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى * ( آيات الكتاب الحكيم ) * أي : إن آياته محكمة ، صدرت من حكيم خبير . ومن إحكامها ، أنها جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها ، وأبينها ، الدالة على أجل المعاني وأحسنها . ومن إحكامها ، أنها محفوظة من التغيير والتبديل ، والزيادة والنقص ، والتحريف . ومن إحكامها : أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة ، والأمور الغيبية كلها ، مطابقة للواقع ، مطابق لها الواقع ، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية ، ولم يخبر بخلافها نبي من الأنبياء ، ولم يأت ، ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح ، يناقض ما دلت عليه . ومن إحكامها : أنها ما أمرت بشيء ، إلا هو خالص المصلحة ، أو راجحها . ولا نهت عن شيء ، إلا وهو خالص المفسدة ، أو راجحها . وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء ، مع ذكر حكمته وفائدته ، والنهي عن الشيء ، مع ذكر مضرته . ومن إحكامها : أنها جمعت بين الترغيب والترهيب ، والوعظ البليغ ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة ، وتحتكم ، فتعمل بالحزم . ومن إحكامها : أنك تجد آياتها المتكررة ، كالقصص ، والأحكام ونحوها ، قد اتفقت كلها وتواطأت ، فليس فيها تناقض ، ولا اختلاف . فكلما ازداد بها البصير تدبرا ، وأعمل فيها العقل تفكرا ، انبهر عقله ، وذهل لبه من التوافق والتواطؤ ، وجزم جزما لا يمترى فيه ، أنه تنزيل من حكيم حميد . ولكن مع أنه حكيم يدعو إلى كل خلق كريم ، وينهى عن كل خلق لئيم . أكثر الناس محرومون من الاهتداء به ، معرضون عن الإيمان والعمل به ، إلا من وفقه الله تعالى وعصمه ، وهم المحسنون في عبادة ربهم والمحسنون إلى الخلق . فإنه * ( هدى ) * لهم ، يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ويحذرهم من طرق الجحيم . * ( ورحمة ) * لهم ، تحصل لهم به ، السعادة في الدنيا والآخرة ، والخير الكثير ، والثواب الجزيل ، والفرح ، ويندفع عنهم الضلال والشقاء . ثم وصف المحسنين ، بالعلم التام ، وهو اليقين الموجب للعمل والخوف من عقاب الله ، فيتركون معاصيه . ووصفهم بالعمل وخص من العمل ، عملين فاضلين . * ( يقيمون الصلاة ) * المشتملة على الإخلاص ، ومناجاة الله تعالى ، والتعبد العام للقلب واللسان ، والجوارح المعينة ، على سائر الأعمال . * ( ويؤتون الزكاة ) * التي تزكي صاحبها : من الصفات الرذيلة ، وتنفع أخاه المسلم ، وتسد حاجته ، ويبين بها أن العبد يؤثر محبة الله على محبته للمال ، فيخرج محبوبه من المال ، لما هو أحب إليه ، وهو طلب مرضاة الله . * ( أولئك ) * المحسنون ، الجامعون بين العلم التام والعمل * ( على هدى ) * أي : عظيم ، كما يفيده التنكير . وذلك الهدى حاصل لهم ، وواصل إليهم * ( من ربهم ) * الذي لم يزل يربيهم بالنعم ، ويدفع عنهم النقم . وهذا الهدى الذي أوصله إليهم ، من تربيته الخاصة بأوليائه ، وهو أفضل أنواع التربية . * ( وأولئك هم المفلحون ) * الذين أدركوا رضا ربهم ، وثوابه الدنيوي والأخروي ، وسلموا من سخطه وعقابه . وذلك لسلوكهم طريق الفلاح ، الذي لا طريق له غيرها . * ( ومن الناس من يشتري